خواجه نصير الدين الطوسي
104
شرح الاشارات والتنبيهات مع المحاكمات ( وشرح الشرح قطب الدين الرازي )
الجسم يمتنع أن يخلو عن الأين أو الوضع - ويمتنع أن يكون في جميع الأمكنة - أو على جميع الأوضاع - فإذن جسميته تقتضي - أن تكون في مكان أو وضع غير متعينين - ثم إن كل جسم يجب أن يختص بمكان - أو وضع متعينين تقتضيهما طبيعته - على ما يجيء في النمط الثاني - فإذن لا يخلو كل جسم عما يقتضي استحقاق مكان خاص - أو وضع خاص متعينين - وذلك لصورة غير الجسمية العامة المشتركة كما مر - وإنما لم يقتصر على المكان - وجعل الوضع قسيما له لئلا يصير الحكم جزئيا - فإن الجسم المحيط بالكل - ليس عنده في مكان - وهو لا يخلو عن وضع معين - واعلم أن الصور تختلف باعتبار آثارها - فالمقتضية للكيفيات كسهولة قبول الانفكاك وعسره - تكون مناسبة للكيف - والمقتضية لاستحقاق الأمكنة مناسبة للأين - وهكذا في سائر الأعراض - وتحقق كونها مغايرة لتلك الأعراض [ 1 ] - أن كون الجسم بحيث يستحق أينا - هو غير حصوله في ذلك الأين - ومما يوضح ذلك بقاؤها في بعض الأجسام - مع زوال الأعراض - فإن السبب المقتضي لسهولة تشكل الماء - ولرده إلى مكانه الطبيعي ووضعه الطبيعي -
--> - بحسب الذات حتى يكون المقتضى للكيف صورة نوعية والمقتضى للأين صورة أخرى ، بل معناه أن الصورة النوعية أمر وأحد يقتضى الكيفيات الخاصة بجهة مناسبة للكيف ويقتضى الانتساب من حيثية مناسبة للأين ويقتضى ساير الآثار بجهة مناسبة لها . واعلم أن الدليل لم يدل إلا على أن للآثار مبدء في الأجسام ، وأما أن ذلك المبدأ واحد أو متعدد فلا دلالة عليه ، ولعلهم إنما اقتصروا على الواحد لعدم احتياجهم إلى الزائد . م [ 1 ] قوله « وتحقق كونها مغايرة لتلك الاعراض » الاعراض مغايرة للصور النوعية لان استحقاق الاعراض غير وحصول الاعراض غير ، واستحقاق الاعراض من جهة الصورة ، وتوضيح ذلك بقاء الصور وزوال الاعراض في بعض الأجسام ، ولقائل أن يقول لما ثبت أن الاعراض مستندة إلى مباد لها هي الصورة النوعية ومن الواضح البين المغايرة بين الآثار والمبادئ فأي حاجة إلى تحقيق هذه المغايرة وايضاحها . والجواب أنه ما أراد المغايرة بين الاعراض والصور مطلقا بل أراد الفرق بينهما في اسناد الاعراض إلى مبادئ الأجسام هي الصور النوعية وعدم اسناد الصور إلى مبادلها في الأجسام هي صور أخرى ، وذلك لان الاعراض ربما يزول مع أن السبب المقتضى لها باق في الجسم فان الماء إذا زالت برودته بملاقاة النار فالسبب المقتضى للبرودة باق وهو الذي بعيد البرودة إلى الماء عند زوال المسخن فلولا أن في الماء سببا لبرودته محفوظة الذات لما عادت برودته بخلاف الصورة فإنها إذا زالت لا يعود عند زوال المزيل كالماء إذا صار هواء لعارض فعند زوال ذلك العارض لا يعود بطبعه ماء . م